الصراع على سورية

Posted: August 1, 2013 in باتريك سيل

الصراع على سورية

باتريك سيل

مقدمة

انصب اهتمام الوطنيين العرب ، مابين الحربين العالميتين، على تخليص اقطارهم اولاً من وجود الدولة الأجنبية المحتلة ، وهي فرنسا في سورية ولبنان ، وانجلترا في  أي مكان عربي آخر ، ومن الممكن تعريف الوطنية كلياً تقريباً في هذه الفترة بأنها رفض السيطرة الاجنبية ، فقد كان ثمة رجال مختلفون في نزعاتهم وماضيهم ، يتحدون تحت راية الاستقلال الوطني ، ولكن صحب التصفية التدريجية ، للاحتلال العسكري والادارة السياسية لكل من الفرنسيين والانجليز ، تغير في مضمون التطلعات العربية . فمنذ منتصف الجيل الذي تلا الحرب ، تحولت الطاقات العربية بصورة متزايدة ، من المساجلة مع الأجنبي إلى نوع آخر منها قلما يكون أقل عنف ويتم فيما بينها، لقد لحق النضال من أجل الوحدة بالسباق من اجل الاستقلال ، وكان هذان الأمران ، الاستقلال والوحدة ، يبدوان كالسوائل في الاواني المستطرقة ، فحين تقطع الخيوط الغربية الموجهة يتخذ التوتر بين الدول العربية وفي داخلها اهمية غير متوقعة ، أما حين يتضاءل النفوذ الغربي فان المشكلات المحلية لكل من القيادة والتنظيمات السياسية للأسرة العربية تزدادان ظهوراً .

وفي وسط هذه التيارات المتعارضة تقع سورية ، مرآة للمصالح  المتنافسة على المستوى الدولي ، مما يجعلها جديرة بعناية خاصة ، والحقيقة ان شؤون سورية الداخلية تبدو وكأنها فاقدة المعنى تقريباً ما لم تعز إلى القرينة الاوسع ، وهي جاراتها العربيات أولاً ، والقوى الاخرى ذات المصالح  ثانياً. وليس من قبيل الصدفة ان تعكس سورية في تركيبها السياسي الداخلي منافسات جيرانها وخصوماتهم . واني لآمل ان استطيع تبيان ان من يقود الشرق الاوسط ، لا بد له من السيطرة على سورية ، ذلك أن هنالك اسباباً تدعوني إلى تبني هذه النظرة ، أحدها موقع سورية الاستراتيجي ،  فهي تشرف على ” الممرات ” الشمالية الشرقية الموصلة إلى مصر، وعلى الطريق البري ما بين العراق والبحر الابيض المتوسط ، وعلى شمال الجزيرة العربية والحدود الشمالية للعالم العربي،  وثانيها ، ان سورية تستطيع الادعاء بأنها كانت رأس الحركة العربية القومية وقلبها منذ بدايتها في أوائل هذا القرن ، وكانت منبع الافكار السياسية والمولدة لها ، ومرتفع الاحلام والتصورات الوطنية التي لا تحصى .. ان جزءا من هذا التراث على الاقل يقع على من يحكمها .

ويرى بعضهم ، أن المنافسة القديمة ما بين سادة دجلة وسادة النيل هي مثال حتمي متكرر ، ومن الواضح ، دون ان نقع ضحايا نظريات الحتمية ، ان الصراع ما بين العراق ومصر كان سمة بارزة لفترة ما بعد الحرب . وان كل من طمح الى قيادة العرب نشد الاصدقاء من بين الجيران ، والحلفاء الأقوياء حيث هم ، ولكن النجاح بدا من حين لآخر منوطاً بالسيطرة على سورية ، و هنالك فرض ضمني مفهوم يكمن وراء السياسة العربية لكل من مصر والعراق ، وهو أن سورية تمسك بمفتاح النضال من أجل التفوق المحلي ،  كما تدركان أيضاً ، أن من يسيطر على سورية ، أو يتمتع بصداقة خاصة معها ، يمكن له أن يعزل الآخر ، ولن يكون في حاجة آنئذ إلى الانحناء امام أي ترابط للدول العربية . ان مصر والعراق هما فقط المتنافستان ، أما سورية ، فما عليها الا أن تتحرك نحو هذه أو تلك حسب تقلب الميزان ، لذلك فلا مفر من أن يحمل نسق شؤونها الداخلية ، بصمات هاتين القوتين المتنافستين ، وقد رهن السياسيون والزمر والجماعات المؤثرة الفعّالة في سورية نفوسهم لهذا الجانب أو ذاك ، ولكلا الجانبين احياناً .

لقد تمتعت سورية خلال الصراع من أجل التفوق العربي بموقع هام جداً في تلك الفترة حتى غدت كل دولة عربية ، تهدف إلى ” سياسة عربية ” في فترة ما بعد الحرب ، مضطرة إلى وضع خطة تتعلق بسورية اولاً ، فتعمل على ترسيخ نفوذها فيها ، اذا لم ترد ما هو أكثر من ذلك ، أو إذا فشلت في منع الدولة المنافسة من توطيد اقدامها هناك . أما القضية الفلسطينية لوحدها فتظل ذات شأن قليل في السياسة العربية الداخلية لهذه الفترة ، اذا طرح جانبا همّ الهاشميين الدائب وتوقهم إلى ضم سورية وما يقابل ذلك ويساويه من تصميم مصر والعربية السعودية على منع أي انضمام كهذا . ان قصة النضال من أجل الوحدة العربية في العقدين الماضيين ، اذا نقلت الى عبارات سياسة القوة ، لم تكن سوى مزايدات متنافسة للسيطرة على سورية ، فباسم الوحدة العربية سعت كل من مصر والعراق إلى فرض انماط متنافسة من العلاقات على زميلاتهما الدول العربية ، ولم يكن يجمع هذه العلاقات كلها سوى سورية ذات الدور المركزي المدعوة إلى القيام به ، وكان الصراع ذا أهمية خاصة ، لانه دفع بالمشتركين الرئيسيين إلى حوار عقائدي ، لا يزال مستمراً حتى اليوم ، حيث بدت متناقضة فيه جميع منازعات الحركة الوطنية العربية وبنيتها السياسية وانتساباتها الدولية ومناهجها الاقتصادية والاجتماعية .

ان سورية ، بالاضافة إلى ما نسبته وادعيته لها لهي بوجه خاص مركز مراقبة جيد ، يمكن منه رصد سياسات الدول الكبرى في المنطقة ، فكما انها مركز المنافسات بين الدول العربية فهي أيضاً المحور الذي تدور حوله اعظم التحركات الديبلوماسية التي يمارسها الغرب والاتحاد السوفييتي ، فعلى حقل السياسة الداخلية السورية جرت ، المعارك الحاسمة من أجل حلف بغداد ومبدأ ايزنهاور وعزم روسيا على ضم سورية إلى منطقة النفوذ السوفيتي عام 1957، هذا هو المستوى الذي كان يقرر عليه أخيراً الفشل أو النجاح .

ان هذا لا يعني أن سورية هي فقط نقطة لقاء للمنافسات الدولية ، فسياستها الداخلية كانت جد معقدة ، ومساهمتها المحلية في الافكار السياسية العربية الرائدة كانت غنية ، لذا فلا يجب أن تؤخذ على أنها الضحية المستكينة لنزاعات الشعوب الاخرى ، ذلك أن العكس كان هو الصحيح احياناً ، فالخلاف والتنافر فيها كانا يصدّران احياناً إلى جيرانها الاقربين وإلى الابعدين ، وهكذا ، فاننا حين نقصى أسباب بعض الازمات الدولية الخطيرة نجد ان الطريق يقود إلى دمشق ، وان حركة المرور ذات الاتجاهين ، من دمشق واليها، لتشكل موضوع هذه الدراسة . ان تدقيق النظر إلى سورية ليشبه تفحص نموذج شهير في الحوض السياسي للشرق الاوسط ، فمعظم المبادىء والتيارات السياسية في العالم العربي ، ولدت فيها أو عملت فيها بوضوح خاص .

لقد كانت الهزيمة في فلسطين عام 1948 درساً بليغاً للعرب في سياسة القوة ، وكان لا بد ان تؤثر في جميع ما تلاها من سلوك وعدم ثقة بالقيم السابقة والعلاقات الدولية ، وعلى حد سواء أيضاً بالرجال الذين القيت عليهم تبعة النكبة ومسؤوليتها ، لقد نجم عن الحرب القصيرة المفجعة من المرارة أكثر مما أوجدته عقود من الاحتلال شبه الاستعماري . وكانت سورية الدولة العربية الأولى التي امكن ان يلحظ فيها وقع المأساة ، ففي أوائل سنة 1949 اطاح الجيش بنظام الحكم القائم ، فأقام بذلك اسلوباً لتدخل العسكريين في السياسة احتذي في أقطار أخرى ، ولكن بروز الجيش كقوة قائدة أولى في السياسة السورية لم يفض إلى عزل جميع المدنيين المنافسين كما جرى في مصر ، ذلك أن الجيش حكم وحده فترات متقطعة متباعدة لعدم وثوقه من قوته ، وهكذا فإن سورية تستطيع ان تفخر بأنها كانت برجاً للأحزاب خلال الاعوام التي سبقت الوحدة مع  مصر عام 1958، وبأنها كانت غنية في الحياة السياسية بصورة لا تجاريها فيها أية دولة عربية أخرى ، وهكذا فإن سورية تطرح نموذجا ناشطا لدراسة تداخل القوى والافكار من مختلف الالوان السياسية وصراعاتها .

ان انحلال الاحزاب الوطنية التقليدية قد تجلى هنا بوضوح تام بعد الحرب ، ذلك انها غدت عاجزة عن تشخيص المشكلات التي اوجدها الاستقلال ، فتخطاها الزمن بعد ان استكانت اثر فوزها على الدولة المنتدبة ، وخلفتها مجموعات اصغر سنا واكثر راديكالية ، فسورية هي التي دفعت إلى المجلس النيابي بأول نائب شيوعي في العالم العربي ، وهي الدولة الاولى التي بدت وكأنها في خطر من أن تصبح دولة تابعة للسوفييت ، ان شعار الحياد قد سمع منها قبل ان ترفع مصر هذا الصوت ، وأخيراً انها هي التي قدمت أكبر مساهمة في هذه الفترة للفكر السياسي العربي كما هو مبين بشكل خاص في حزب البعث .

لقد سلّم ، منذ زمن طويل ، بأن كثيراً من العرب يشتركون في لغة واحدة و دين واحد ، ونماذج ثقافية ، ومعاهد وذكريات تاريخية كلها مشتركة ، ولكن هذه العوامل جميعها لم تحوّل بذاتها المسيرة نحو الوحدة العربية إلى قوة مؤثرة في السياسة المعاصرة ، فقد كان ينقصها التنظيم كما أن شروطها كانت غامضة ، ولكن البعث ، الحركة السياسية ذات المنشأ السوري ، هو الذي صهر هذه الفكرة وحولها إلى أداة سياسية قوية ، فأنجز ، بالتحالف مع عبد الناصر ، تنفيذ الوحدة السورية المصرية والتي ستظل ، مهما كان عمرها قصيراً ، أهم حدث كبير في التاريخ العربي لما بعد الحرب .

كثير من الدروب يقود إلى دمشق . حيث العديد مما يعبّر عن السياسة العربية عموماً ، وعن تطور المجتمع العربي وقضاياه الكبرى ، مما دفع بمصر عام 1958 إلى المغامرة في قلب آسيا العربية . ان الوحدة العربية لا تزال قضية عاطفة أكثر مما هي فكرة سياسية محددة تماماً، وليس لدولة أو زعيم او حزب أن يدعي أنه بطلها المطلق ، فالأحرى ان يوجد معناها في فحص السياسات المتنافسة للدول المتصارعة من أجل احراز زعامة العالم العربي ، كما يمكن أن يوجد في اسهام سورية الخاص في السجال ، فهي لاتقف مستسلمة حتى يفوز بها هذا او ذاك ، فهي ستظل عربية أو لا تكون .

 

 

Advertisements
Comments
  1. […] via الصراع على سورية […]

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s