من التجزئة إلى الوحدة

Posted: August 7, 2013 in نديم البيطار

من التجزئة إلى الوحدة

د . نديم البيطار

مقدمة

هذا الكتاب يقدم دراسة لتجارب التاريخ الوحدوية، تقارن بينها بغية كشف القوانين العامة التي تسودها ، وتعيد ذاتها فيها . القصد من ذلك، هو الوصول إلى  نظرية وحدوية علمية جامعة لهذه التجارب تحدد الطريق الى دولة الوحدة بتحديد العملية ( Process ) الموضوعية التي كان يتم فيها الانتقال من حالة تجزئة إلى حالة وحدة .

في مناسبات عديدة سابقة ، كنت أشير باستمرار إلى أن الفكر العربي الثوري يتميز من ناحية عامة بطبيعة تبشيرية ، لأنه ينطلق عادة من مجردات ومفاهيم اخلاقية وميتافيزيقية ، ويدور حول رغبات ذاتية يحاول فرضها على الواقع الاجتماعي التاريخي ، دون رجوع إلى أو إدراك للموضوعية المستقلة التي تميز ظواهر وتحولات هذا الواقع ، أو القوانين والاتجاهات الانتظامية (Pattern , regularities ) التي تسود هذه الموضوعية . هذه السمة تؤكد ذاتها بشكل خاص في الفكر الوحدوي .

الخلل الأساسي في هذا الفكر كان حتى الآن تحديده المستمر للطريق إلى الوحدة دون أن يرجع أبداً إلى الظاهرة الوحدوية ، أي إلى التجارب التاريخية التي كانت تنتقل فيها مجتمعات مجزأة أو كيانات سياسية مستقلة من الانفصال إلى الاتحاد . إنه فكر لا يبرهن ، في الواقع وبأي شكل ، على أنه يعي ضرورة هذا الرجوع ، أو حتى أن هناك ظاهرة وحدوية موضوعية يجب عليه دراستها قبل أن يتكلم عليها ويطلق الأحكام حولها . المجتمع العربي ليس أول مجتمع مجزأ يحاول توحيد أجزائه في دولة واحدة ، والكيانات السياسية المستقلة التي يتبعثر فيها ليست أول كيانات مستقلة في التاريخ تريد تجاوز انفصالها في وحدة جديدة . هذه المجتمعات والكيانات التي كانت تحاول الاتحاد فتنجح أو  تفشل ، تشكل ظاهرة تاريخية دائمة، وبشكل يمكن فيه تحديد التاريخ ، من هذه الزاوية، بأنه حركة كانت تحاول فيه المجتمعات المجزأة والكيانات السياسية المنفصلة تحقيق وحدات سياسية جديدة أكبر. لهذا كان على هذا الفكر الوحدوي، وخصوصا عندما يزعم العلمية ، أن يرجع إلى هذه التجارب الوحدوية فيدرس ما نجح وما فشل منها، ويقارن فيما بينها كي يكشف عن القوانين أو الاتجاهات الموضوعية التي كانت تسودها . 

هذا الاساس العلمي البديهي غاب تماماً عن هذا الفكر ، منذ مائة عام ونيف . وهذا الفكر يقدم المفاهيم والأحكام المختلفة في تحديد الطريق إلى الوحدة ، ولكن دون أن يرجع أبداً إلى الظاهرة الوحدوية . ومنذ ثلاثين أو أربعين عاماً وهو يردد ويمضغ بشكل يومي رتيب كلمات علم ، علمية ، منهج علمي ، الخ … ولكن دون أي وعي أبداً لأكثر البديهيات العلمية وضوحاً ، وهو أنه عندما نتكلم عن ظاهرة ما ، يجب ان نتعرف عليها وندرسها . الفكر الوحدوي العربي كان ، في الواقع ، يعبر عن ذاته – فيما يتعلق بكيفية معالجته للطريق إلى الوحدة – وكأنه لم يسمع أبداً بهذه الكلمات . لهذا يمكن القول بكل موضوعية ، بأنه ليس هناك في العالم الحديث كله من فكر أكثر عقماً وتخلفاً من هذا الفكر ، أو أكثر منه عجزاً عن مجاراة أو استيعاب العقل الحضاري الحديث .

تتحدد الأجوبة التي تقدمها أية نظرية ، أساساً ، بكيفية الأسئلة التي تطرحها . الإجابات التي كان يقدمها الفكر الوحدوي لم تطرح أو تنتج حتى الآن عن طرح السؤال العلمي الأساسي الصحيح ، الذي يمكن أن يقود إلى إجابة صحيحة ، وهو : كيف كانت تنتقل عبر التاريخ وحدات سياسية مستقلة أو مجتمعات  مجزأة إلى الاتحاد السياسي ؟ … وإذا كانت الظواهر الاجتماعية تتميز بموضوعية مستقلة تعبر عن ذاتها في اتجاهات عامة واحدة ، فما هي اذن الاتجاهات المتكررة التي كانت تعيد ذاتها في وتكشف عنها هذه التجارب الوحدوية ؟ ..

هذه الدراسة تشكل محاولة متواضعة في تقديم نمط فكري جديد ، ينقض من الأساس ، النمط الفكري الذي ساد الفكر الوحدوي حتى الآن . إنها تجد قيمتها الأولى في طرح السؤال الصحيح فيما يتعلق بالطريق إلى الوحدة . لهذا على القارىء أن يكون من ناحية عامة منفتحاً لمواجهة القضية الوحدوية في ضوء جديد يجردها من المفاهيم التي اعتاد على كونها مقترنة بها حتى الآن . تصحيح العمل الوحدوي يفرض ، إسقاط النمط الفكري السابق. ” الفكر الصحيح هو “، كما يردد الشيوعيون الصينيون ، ” مفـتاح العمل الصحيح “. إنها دراسة لا تنطلق من مواقف ميتافيزيقية وتبشيرية، بل تعود إلى الظاهرة الوحدوية ذاتها عبر التاريخ- تجارب الانتقال من حالة تجزئة إلى حالة وحدة- ونترك هذه الظاهرة تتكلم عبر القوانين الموضوعية العامة التى تعبرعنها وتسودها.

القول بالمنهج العلمى يفترض الوعي بأن الظواهر الاجتماعية، وليس فقط الظواهر الطبيعية، تخضع لموضوعية مستقلة خاصة بها ، أن هذه الموضوعية تكشف عن ذاتها فى قوانين أو علاقات انتظامية تسودها ، وأن حرية الإنسان ترتبط إلى حد كبير بإدراك هذه الموضوعية. في إغفاله التام للظاهرة الوحدوية، كان الفكر الوحدوي يعمل وكأن هذا الوعى أو المنهج غيرموجود أبداً .

العلم يعني استخراج النظام الذي ينطوي عليه مجرى التحول الإجتماعى التاريخى- التركيب العام الذي يقف وراء و يسود عوالم الظواهر الاجتماعية. إنه يحاول أن ينتزع من العالم الموضوعي الانتظامية المتكررة التى ينطوي عليها- من يطابق بين تجميع الوقائع والأحداث وبين العلم يخطىء كثيرا، لأنه يرى في جزء، وإن كان مهما، العملية العلمية كلها. فالوقائع والأحداث لا تقول لنا في ذاتها ، ما هى الأحداث والوقائع المهمة، ما هى العلاقة بينها، ما هو النظام الذي ينظمها ، يضفى عليها، من زاوية معينة ، المعنى ويجعلها مفهومة منا . لهذا يفرض المنهج العلمي الصحيح الانتقال من تجميع الوقائع والأحداث إلى القوانين او الانتظامية العامة التي تكشف عنها . المعرفة العلمية تعني مفهوماً عاماً لعلاقة عامة تربط بين الظواهر الاجتماعية ، أو بين عناصر وجوانب ظاهرة معينة . ما هو صحيح عن تجربة وحدوية واحدة يمثل معرفة تاريخية ، ولكنه ليس ، في الواقع ، معرفة علمية ، لأن قصد هذه المعرفة هو تعيين الميزات الواحدة أو الاتجاهات العامة المتكررة التي تشارك فيها جميع تجارب التاريخ الوحدوية . إنها معرفة تغفل فرادة الأحداث والظواهر الاجتماعية ، وتحاول بدلاً من ذلك ترتيبها في نظام عام ، أو بالأحرى ، أن تكشف عن هذا النظام الذي ينظمها .

هذه هي الغاية من هذه الدراسة . إنها الكشف عن النظام العام الذي ينظم الظاهرة الوحدوية. القصد لم يكن تجميع الوقائع والحقائق حول تجربة أو تجارب وحدوية معينة ، بل الوصول عن طريق ذلك إلى النظام العام الذي تشارك فيه، والذي ينظمها في قوانين واحدة تسودها . ” العلوم الإنسانية تقوم، كالعلوم الطبيعية، بدراسة مقارنة لمعطياتها كى تكشف عن تركيب الوقائع والأحداث العام ”  0 المنهج العلمي يعني ، قبل كل شيء، إدراك هذا النظام ، هذه القوانين التي تسود الواقع الموضوعي ، ومن ثم اتخاذ خطوات تستطيع توجيهه نحو مقاصد معينة ، لهذا ” يمكن لنا ” كما يكتب كونانت ” اعتبار العلم كمحاولة…. في تخفيض درجة التجريبية ( empiricism)، أو في توسيع امتداد النظرية… جميع إنتاج العلماء المهم حاليا يقع، كما أعتقد، في نطاق محاولات تخفيض درجة التجريبية… ولكن إدخال عنصر نظري فقط يستطيع تخفيض درجة التجريبية ” . من هذه الزاوية يجب إذن على كل نظرية وحدوية علمية أن تحقق تخفيض هذه الدرجة التجريبية، أي أن تضع في إطار تركيب عام ذي معنى الظواهر، الأحداث والتحولات التى تتشكل منها عملية التوحيد السياسي كظاهرة عامة. هذا بالضبط هو القصد من هذه الدراسة .

كل معرفة علمية تحاول ، في الواقع ، تحديد المستقبل عن طريق دراسة ما يكشف عنه الماضي من نظام . هذا ما دفع أوغست كونت، أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث، إلى القول بأنه لا يجب أن نقول، الماضى، الحاضر والمستقبل، بل الماضي ، المستقبل والحاضر. لهذا كانت المقارنة التاريخية أساس هذه المعرفة. لأنها هي وحدها تستطيع ان تكشف عن هذا النظام الذي يعنى علاقات انتظامية أو قوانين واحدة. كثيرون من مؤسسي وأعلام هذا العلم ، كدركهايم وما لينوسكي مثلا، رأوا أن المنهج التاريخي المقارن هو هذا العلم ، هو السوسيولوجيا نفسها، وليس فقط جزءاً منها ، وذلك لأنها تصبح، دون هذا المنهج، وصفاً محضاً ، وتعجز عن إعطاء الواقع معنى بتحديد ” العام ” الذي يسوده ويفسره.

هناك وقائع صغرى ووقائع كبرى، حقائق كوقائع منفصلة، وحقائق حول مرحلة أو مراحل تاريخية ككل ، حقائق حول أحداث فردية وأخرى حول حركة الأحداث . الفكر العلمي لا يقف عند الأولى ، بل يدرك أن دراستها هى مجرد خطوة نحو الثانية. أن ملاحظة وتجميع الوقائع المختلفة هو أمر سهل نسبيا، ولكن الكشف عن القوانين العامة التي تسودها هو المسألة الصعبة التى تتطلب تمرساً علمياً طويلا، وقدرة على الخلق لهذا كان الابداع الفكري عملية محدودة نسبيا، لأنه كان يتطلب مواهب خاصة، جهداً فكرياً متواصلاً ومرهقاً ، نفساً طويلا والتزاماً كبيراً بالموضوع .

بما أن ما أنتجه الفكر الوحدوي العربي حتى الآن في تحديد الطريق إلى دولة الوحدة لا يتفرع من أو يعتمد على دراسة جامعة للظاهرة الوحدوية عبر التاريخ، فإن ” أخلاقية ” الوحدة حلت محل ” سوسيولوجيا ” الوحدة، أي أن المواقف التبشيرية حول ” ما يجب ” أن تكون عليه الطريق نحوها حلّت محل القوانين الموضوعية التى كانت تتبعها عملية التوحيد السياسي في انتقال مجتمعات مجزأة إلى الاتحاد السياسي . في غياب هذه المعرفة العلمية كان العمل الوحدوي نوعاً من ” العفوية ” التي تحولت إلى فخ يهدر الطاقات العربية عبثا ودون فائدة، نتيجة لتحركاتها اللاعقلانية. السلوك الوحدوي العقلانى هو فقط السلوك الذي يستخدم وسائل ترتبط ارتباطا موضوعيا صحيحا بالقصد الذي يسعى إليه، والذي يستطيع التمييز بين الطريق التي يمكنها أن تقود إلى هذا القصد وبين التي تكون عاجزة عن هذا، فيتبنى الأولى وإن كانت تعنى التضحية بمصالح ونجاحات مباشرة، ويرفض الثانية. ولكن وبما أن الواقع الموضوعى يتميز بموضوعية مستقلة عن إرادة الفرد، فإن العقلانية تعنى فكراً يعبر عن هذه الموضوعية والاتجاهات الواحدة التي تسودها. ومن اجل أن يكون هذا السلوك أو العمل عقلانيا، وجب عليه الاعتماد على نظرية علمية جامعة لتجارب التاريخ الوحدوية، تكشف له عن تلك الوسائل وهذه الطريق.

هذه الدراسة تصل، نتيجة مراجعة عامة لتجارب التاريخ الوحدوية، إلى نظرية من هذا النوع، وتعين بوضوح القوانين التي تتشكل منها. إنها تقسم هذه القوانين إلى قسمين، قسم أساسي وقسم ثانوي أواعدادي . في القسم الأول، نجد القوانين الرئيسية التي تسود عملية الانتقال من التجزئة إلى الوحدة، من الانفصال إلى الاتحاد. إنها لولب ومنطلق هذه العملية، ومن دونها لا يمكن عادة تحقيق هذا الانتقال، تجاوز التجزئة وإقامة الاتحاد. لهذا كانت أساسية. إنها، أولا، وجود إقليم- قاعدة يرتبط به ويتمحور حوله  العمل الوحدوي في الأقطار أو الكيانات المستقلة المدعوة إلى الاتحاد. وثانيا، وجود قيادة مشخصنة تستقطب مشاعر الشعب وتكسب حماسته وولاءه عبر الحدود الاقليمية. وثالثا، وجود مخاطر خارجية تولد الضغوط والتحديات التي تدفع إلى الاتحاد.

أما القسم الثاني، وهو يتشكل من عدد أكبر بكثير من الاتجاهات الواحدة المتكررة، كتوفر لغة واحدة، تماثل إيديولوجي، وتماثل اجتماعى سياسي الخ… بين الأقطار أو الكيانات المستقلة المدعوة إلى الاتحاد، لا يستطيع فى ذاته، حتى بتوفر جميع عناصره، ان يحقق الاتحاد. فهو يمارس دوره ويجد فاعليته في العمل مع وفي خدمة القوانين الرئيسية. إنه إعدادي لأنه يساند هذه الأخيرة ، يمهد الطريق ويختصرها أمامها. إنه ضروري جداً ولكن ضرورته تنحصر في هذا الدور.

تتركز الدراسة، بالتالي، على القوانين الرئيسية وتدور حولها، لأنها تمثل الأساس الذي من دونه لاوجود لاحتمال تحقيق اتحاد سياسي في مجتمع مجزأ أو كيانات مستقلة، ولأن وجودها ضروري كي يتمكن القسم الثاني من ممارسة دوره الوحدوي . لهذا فهى تكتفي بإشارة سريعة إلى هذا القسم، وتستخدم ما يتوفر لديها من مجال في عرض وتحليل القوانين الرئيسية. إنها تقدم كل قانون من هذه الأخيرة برجوع عام، مفصل نسبيا، إلى تجارب التاريخ الوحدوية، تدلل فيها على وجوده، ومن ثم تقترح تفسيراً له في ديالكتيك الوضع الوحدوي الذي يعبر عنه.

هنا تجدر الاشارة بأن هذا الكتاب يكمل كتاب ” النظرية الاقتصادية حول الطريق إلى الوحدة العربية “، وهو امتداد له. قراءة الأخيرضرورية في التقديم لقراءة الدراسة الجديدة. وتحقيق الفائدة المرجوة منها. قدمت، في ذلك الكتاب، بالرجوع إلى تجارب التاريخ الوحدوية، نقداً عاما للمفهوم الاقتصادي حول الطريق إلى الوحدة، دلل بوضوح أن الطريق الاقتصادي لا يقود في ذاته، مجتمعاً مجزءاً أوكيانات سياسية مستقلة إلى الاتحاد السياسي . الدراسة الحالية تدل، كما يرى القارىء، على أولوية العامل السياسي . إن هذا العامل يتقدم على العامل الاقتصادي وغيره من العوامل الأخرى ، لأن القوانين الرئيسية التى تتحكم بالعملية الوحدوية هي قوانين سياسية.

ولكن هذا لا يعني أبداً ان الدراسة تقترح أولوية العنصر السياسي على العنصر الاقتصادي من أية ناحية عامة أو مطلقة . انها تقدم الأول على الثاني نسبياً فقط ، وفي معالجة وتفسير قضية معينة ، وهي التحول من التجزئة إلى الاتحاد السياسي . في دراسة عناصر ، أوضاع ، وقوى التحول الاجتماعي التاريخي ، لا يصح ولا يمكن ، في الواقع ، تفسير هذا التحول بالرجوع ، إلى عنصر أو سبب واحد . فهناك تنوع وترابط بين هذه الأوضاع والعناصر والقوى . هذا هو المنطلق العام الذي تنطلق منه هذه الدراسة .

المقصود من هذا ليس اقتراح هذا التعدد المتنوع المترابط كنظام عام ( System) أو مذهب ، وتحويله كما كتب أحد المفكرين ، إلى ” فوضى الأسباب المتعددة ” . ما نعنيه هنا هو توكيد الواقعة التالية وهي انه لا يوجد بأي شكل مطلق أو من ناحية عامة هياراركاً ( Hierarchie) أو سلسلة مدرجة من المراتب لهذه الأسباب ، تصح بشكل عام ، أو من سبب يمكن تطبيقه بشكل مطلق . ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد في وضع أو تحول معين ندرسه من هياراركاً سببية أو سبب يحقق درجة من الهيمنة على الأسباب والقوى الأخرى . على العكس من ذلك ، فالبحث السوسيولوجي ينطوي على ويفترض وجود هذه الهيمنة النسبية . لهذا فإن المشكلة التي تواجهها دراسة كهذه الدراسة ليست الانطلاق من سببية عامة                   ( Causality) ومطلقة ، بل تعيين هذا السبب ذي الهيمنة النسبية في الموضوع الذي تعالجه . السوسيولوجيا الحديثة ترفض أية سببية من النوع المطلق او العام ، وهي عندما تؤكد على عنصر خاص ، تعترف في الوقت نفسه أن التحول الاجتماعي هو دائماً نتيجة تعدد في العناصر التي نعمل معاً وتتأثر بعضها بالبعض الآخر . في هذا الترابط أو التفاعل لا تمارس العناصر كلها الوزن نفسه ، لأن بعضها أو أحدها يستطيع أن يمارس دوراً أكثر أهمية . ولكن البحث عن هذا الدور المهيمن نسبياً يقترن بوعي لتأثير متبادل بينها .

دراسة عناصر وأوضاع التحول الاجتماعي كانت ، تحاول في الماضي القريب الكشف عن العنصر الرئيسي الذي يفسر هذا التحول ويكون مسؤولاً عنه ، والقصد كان اعطاء تفسير سببي لتاريخية المجتمعات الانسانية . هذه المسألة قادت الى تعدد كبير في الأجوبة التي كانت تقدم تقدم تطور التكنولوجيا ، تركيب الانتاج الاقتصادي ، الجنس ، الوسط المادي الجغرافي ، العنصر السياسي ، المعرفة ، المعتقدات الدينية ، الخ … كل عنصر من هذه العناصر وجد من يدعو اليه ويقدمه . هذه القضية انتهت بالتمحور، في النصف الأول من القرن التاسع عشر حول ناحية أساسية وهي تركيز الأولوية في الاشياء او الافكار، الاوضاع المادية أو الاوضاع الايديولوجية، التركيب الاجتماعى- الاقتصادي أو التركيب الثقافي . وقد برز هذا الجدل بشكل واضح في التناقض بين مفهوم فكري على طريقة كونت أوهيجل ومفهوم مادي على طريقة ماركس . السوسيولوجيا ترى حاليا، على الأقل في ضوء المعرفة الحالية التي تتوفر لنا، أنه من غير الممكن الارتباط بنموذج سببي عام يعبرعن هيمنة عنصرما من ناحية مطلقة. فهذه الهيمنة هى مسألة تجريبية تتطلب تحديداً خاصاً في كل قضية تاريخية نعالجها.

تعتمد هذه الدراسة إذن هذا المنظور السوسيولوجي العلمي الحديث الذي ينطلق من هيمنة سببية نسبية، وهي تقدم العنصر السياسى في هذا الاطار فقط   .

Advertisements
Comments
  1. رثاء فقيد العروبة والوطن المفكر القومي الكبير الدكتور نديم البيطار

    أيها المعلم والمناضل الكبير نديم البيطار يا فقيد العروبة والوطن،

    ماذا أقول عنك كي أكون منصفا في رثائك؟

    من أين أبدأ؟ وكيف؟

    لقد قلت لي منذ فترة قصيرة أنك ستموت قبل أن تشهد في حياتك قطرا عربيا واحدا يتحد مع قطر عربي آخر! ولسوء حظك وحظنا أن أقطارا عربية عدة لم تتكرس التجزئة بينها فحسب بل يهددها التمزق أو التفتت الداخلي!

    إن النخب الحاكمة العربية التي وصلت إلى الحكم باسم الوحدة والتحرير وعلقنا عليها آمالا عظيمة أفلست منذ زمن طويل. لقد وَعَدتنا بالحرية لكنها حولت الوطن كله إلى سجن كبير. وَوَعَدَتنا بالرخاء فعممت الفقر. وَوَعَدَتنا بالوحدة لكنها كرست التجزئة والانفصال حفاظا على امتيازاتها الخاصة إلى أن وصلنا إلى حد استنجاد بل استجداء الإمبريالية الأمريكية كي تحمينا منها ومن الأصوليين! إنهم الأصوليون، الذين منعوك من إلقاء محاضرتك في بغداد سنة 1968 لأنكم دعوتم فيها العرب إلى تبني فكر أو عقل حديث، هؤلاء الأصوليون أنفسهم يهددون وجودنا اليوم!

    ماذا أقول عنك في سطور قليلة أيها المعلم العظيم كي أكون منصفا في رثائك وأنت من كرس حياته طوال أكثر من ستون عاما لخلق مشروع نهضوي عربي جديد يقوم على أساس علمي حديث. عن إي من كتبك التي تتجاوز ال 20 كتابا أريد أن أتحدث؟

    “إن المجتمع الحديث يستمد قوته وحيويته من إيديولوجية حديثة. وبالمثل يعود عجز المجتمع العربي التقليدي الحالي وضعفه وجموده إلى التزامه بإيديولوجية تقليدية استنزفت قواها وتجاوزتها حركة التاريخ منذ زمن بعيد. إن المشكلة الرئيسة التي تعاني منها المجتمعات العربية تتمثل في افتقارها لعقل حديث يُستمد من فلسفة حياة، أو إيديولوجية جديدة تتناسب مع المرحلة التاريخية المعاصرة،” وفق رأي البيطار.

    لقد كرس نديم البيطار حياته لتقديم فكر علمي مخصب تميز بالشمولية والعمق والأصالة لتجديد الفكر والمجتمع العربيين، بل ولتجديد العلوم الاجتماعية وفلسفة التاريخ بشكل عام من خلال دراساته القيّمة في سيكوسوسيولوجية الهزائم العربية، والاقتصاد السياسي، والتنمية، والوحدة. إن الأنماط المنتظمة إذا لم نشأ أن نسميها قوانين، التي قدمها البيطار في دراساته، تصدق على عدد كبير من الأوضاع التاريخية المتباعدة في المكان والزمان مما جعل أعماله فريدة في أهميتها للعمل السياسي الوحدوي والتنموي العربي، ولإخصاب الفكر الاجتماعي والتنموي على المستويين العربي والعالمي. “إن الإيديولوجيات كحقائق تاريخية تتميز بالفرادة في بعض خصائصها، بيد أنها في خصائص أخرى تنتمي إلى فئة أو صنف معين. لذلك فهي قابلة للمقارنة.” هذا في اعتقادي ما قام به البيطار بطريقة علمية تثير الإعجاب حيث استخلص نهجاً جديداً، أو نظرية جديدة يمكننا من خلالها تحديد احتمالات نجاح مجتمع ما في تجاوز مرحلة معينة من تاريخه، والتنبؤ بالوجهة السياسية أو بالمسار الذي سيتخذه هذا المجتمع على ضوء فهمنا الحقيقي لإديولوجيته. هذا النهج العلمي جعل البيطار يتميز بمكانة مهمة في الفكر الاجتماعي الكلاسيكي العالمي وفلسفة التاريخ بجانب أساطين بارزين في هذا الفكر من أمثال عبد الرحمن بن خلدون، وكارل ماركس وأرنولد توينبي وغيرهم!

    لم يكن نديم البيطار يفكر ويكتب من برج عاجي، بل ربط النظرية بالممارسة العملية مجسدا بالفعل مقولة ماركس: “أن مهمة الفلسفة يجب ان تكون تغيير العالم بدلاً من الاقتصار على تفسيره أو فهمه كما كان الحال في الماضي.”

    فكما اكتشف جيمز واتسون، وفرانسيس كريك بنية الحمض النووي DNA ووضيفتها في المجال البيولوجي، وكما اكتشف كارل ماركس قانون الحركة الخاص بتطور نمط الإنتاج الرأسمالي والمجتمع البورجوازي الذي خلقه هذا النمط في المجال الاجتماعي، اكتشف البيطار البنية العامة الأساسية (أو الحمض النووي DNA المتصل بالإيديولوجية) التي تحدث بشكل انتظامي متكرر ومتواصل في جميع الإيديولوجيات الدينية أو العلمانية بصرف النظر عن الاختلافات التي تميز مضمونها !

    أيها المعلم الكبير،

    أجل إننا خسرناك في مرحلة تاريخية عربية بالغة في الخطورة والانكفاء، إننا نرى أمما تتحفز وتتشوق وتثب بجسارة بالغة لمعانقة المستقبل وتشكيله وفق ما تريد، بينما نرى قوى انكفائية ظلامية في أمتنا تتمسك بماض لا يمكن استعادته وتخاف من مستقبل لا بد من قدومه. إنه الصراع بين الحداثة والتقليدية الذي حدث في عدة مجتمعات تاريخيا. إنني كتلميذ لك متفاءل مثلك أثق أنه لا بد للفجر أن ينبثق مهما طال الليل والظلام الدامسين. وكما قال أحدهم من قلب الظلام الكثيف ينبثق شعاع الأمل!

    نم قرير العين. إن قدرك كقدر الفلاسفة العظام الذين نادرا ما يشهدون تحقيق أهدافهم خلال حياتهم. لقد كتب ماركس في منتصف القرن التاسع عشر لكن أهدافه أو أهمية أفكاره لم تتضح إلا في القرن العشرين، وما زالت أعمال ماركس تزودنا باستبصارات عظيمة في القرن الحادي والعشرين! أجل نم قرير العين يا رائد الفكر الوحدوي القومي العربي، يا ابن خلدون القرن العشرين لم ولن تذهب أعمالك العظيمة سدى. لقد كنت بمثابة المشعل الذي استنزف طاقته ليضيئ عالمه مما جعلك بحق تستحق أيضا أن ندعوك رائد التنوير العربي. إن أعمالك العظيمة ستكون دليلنا ودليل أجيالا قادمة ومتعاقبة من أمتنا العربية لتحقيق المجتمع العربي الحديث ولإقامة دولة الأقطار العربية المتحدة.

    إن تكريسك لحياتك كلها للعمل القومي العربي، وحتى عزوفك عن الإنجاب خشية أن يصرفك ذلك عن مشروعك النهضوي، يجعلك بحق شهيد الأمة. إن الشهادة في رأي تعني تضحية شخص ما بحياته في سبيل الدفاع عن، أو النهوض بأمته. إنك ولدت مسيحيا في بينو في أقصى شمال لبنان حيث طلبت أن يكون مثواك هناك. إن تكريسك لحياتك كلها في سبيل أمتنا يجعلني أشعر أنك ليس من بينو فقط، إنك أيضا من بلدتي الطيبة أقصى جنوب لبنان، ومن بنت جبيل وإنك من بيروت ومن صيدا ومن جبل لبنان ومن تونس والقاهرة والعراق ومن كل الوطن العربي!

    لقد كنت أتمنى أن تمنح أعلى الأوسمة العربية في حياتك أو حين وفاتك. ولكن من يتمنى اليوم الحصول على وسام من أي نظام عربي معاصر؟ وكنت أتمنى أن يلف جثمانك الطاهر بعلم دولة الاقطار العربية المتحدة، وأن يكون مثواك الأخير في جانب الشهداء الأبرار. إن قيمتك عند أمتنا وأجيالها القادمة أعظم مما تتصور ولعلك الآن وقد أصبحت في عالم الأبدية أعلم مني بما أقول!

    وأخيرا نعاهدك أن نكون أوفياء لمشروعك النهضوي العربي وأن نجعلك مثالنا الأعلى في نبذ الفتن والتجزئة والطائفية والإقليمية وفي العمل على تبني فكر جديد يؤدي لتحقيق حلم حياتك: إقامة دولة الوحدة العربية. وداعا أيها الحبيب لقد تنورت بأفكاركم وتشرفت بصداقتكم وبلقائي الأخير بكم وسأضل أعتز بقولي: “إني عرفت نديم البيطار وعشت في عصره.”

    الدكتور فياض قازان
    بريد إلكتروني: fayadkazan@yahoo.com

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s