البعث وثورة آذار

Posted: August 25, 2013 in مروان حبش

البعث وثورة آذار

مروان حبش

مقدمة

واكب تكوّن ونشوء حزب البعث حركة التاريخ في الوطن العربي ونهل من التراث العالمي الانساني ومن تجارب الحركات التي عبّرت عن تطلعات شعوبها ، ومن هذه المنطلقات بدأ حركته التاريخية الفكرية والنضالية كحركة حضارية شاملة لبعث الحياة في الأمة ، وحركة سياسية أعطت للقومية العربية محتواها الحقيقي واكتشفت في الواقع العربي حقائق أصبحت اليوم مسلّمات ، وهذا ما أهّل البعث بمنهجه العلمي وتصميمه الواعي وأخلاقيته النضالية لقيادة النضال العربي في بعض الأقطار العربية التي تعمّقت فيها جذور البعث ونمت قواه الجماهيرية ، ودعم حركات التحرير والتحرر في بقية الأقطار .

وانطلق البعث من أن حركة القومية العربية باعتبارها حركة شعب مزّق الاستعمار وطنه واضطهده ، لا يمكن إلا أن تعتبر نفسها جزءاً لا يتجزأ من حركة نضال جميع الشعوب في العالم ضد الاستعمار .

إن الظروف التاريخية التي مر بها الجيش منذ عام 1949 ، وتعدد الحركات العسكرية التي جاءت ببعض الضباط إلى مراكز سياسية ليسوا في مستواها ولّدت لدى الكثير من الضباط تطلعات فردية نحو السلطة والشهرة والمجد الشخصي .

دخل الجيش في اللعبة السياسية نتيجة ادراكه سهولة الاطاحةبالحكومات المدنية ، وعثوره على الكثير من السياسيين المستعدين لتغطية انقلاباته .

كان بعض الساسة يعتقد أن الجيش يجب ألا يتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد ، بينما آخرون يقولون أن هؤلاء يتناسون أن الجيش جزء من الشعب ، وان تعاون الجيش والسلطة التنفيذية يُسهم في إدراك الشعب أن الجيش ينتمي إليه ، وإن لم نُرد للجيش أن يتدخل فعلينا اتباع سياسة صحيحة والسير بالبلاد في طريق لا يمنح للجيش أي سبب للتدخل .

انطلق البعث من رؤية ثورية عندما حدد القوى الاساسية للثورة ، ومنها اتجه للعمل النضالي في القطاع العسكري لأن ما يعانيه الشعب يمس هذا القطاع ، ولأن العمل الثوري يقتضي تحريك كل القوى في سبيل انتصار القضايا الأساسية للشعب .

إن رسوخ عواطف الجماهير العربية وشمولها تجاه الوحدة ، جاء معبراً عن حقيقة تاريخية أساسية يعيشها الشعب العربي ، هذه الحقيقة هي حتمية الوحدة . وان وحدة 1958 ، التي كان للجيش دور رئيس في انجازها ما تزال تلهب العواطف القومية للجماهير العربية وتهز أعماقها .

إن قضية الوحدة ما تزال تشكل مركز المشكلة السياسية التي تعانيها الأمة العربية . كما ان أزمتها الحقيقية هي أزمة وحدوية بامتياز ، وهذه الحقيقة تظهر واضحة في القطر السوري وتكمن ليس في كونه المركز التقليدي العريق للنضال الوحدوي فحسب ، بل لأن دولة للوحدة قد سقطت وكانت سورية جزءاً منها . وأدرك حزب البعث بعدها بأن هناك علاقة جدلية بين وجود حركة شعبية وحدوية منظمة وبين وحدة ديمقراطية اشتراكية فعلاً ، ولغياب ذلك الادراك كان حل الأحزاب ، وانقلاب الانفصال .

على إثر سقوط حكم عبد الكريم قاسم في العراق على يد حزب البعث في 8 شباط ، وسقوط حكم الانفصال في سورية على يد عسكريي حزب البعث وحلفائه الناصريين في 8 آذار ، وكأن القوى التقدمية قد رجحت كفتها في الوطن العربي ، كما بدا أن الطريق أصبح ممهداً للانتقال إلى مواقف ثورية فعلاً تنظر إلى قضية الثورة العربية ككل ، وتعالج قضية الوحدة ، وقضية العرب الأولى ” قضية فلسطين ” من خلال منظور الثورة وحده لأن حل هذه القضية لن يأتي إلا عبر منظورها وبموازاته .

رغم أن التناقضات بين قوى التقدم وأنظمتها ليست أساسية ولا متنافية وتناقضها الأساسي مع الاستعمار وحلفائه ، فإن الصراع والاقتتال بينها كانت له نتائج مشؤومة أدى إلى تمزقها وشل قدرتها على مواجهة أعدائها الرئيسيين وتقوية القوى المعادية وقيام تحالفات تكتيكية بين بعض هذه الأنظمة وأعدائها أوقفت عملياً تقدم قوى الثورة العربية بل دفعتها في خطوات تراجعية .

ان حل التناقضات بين قوى التقدم كان يجب ان ينحى طريق التفاعل الايجابي والتصحيح المتبادل ويبغي توحيد طاقاتها ودفعها إلى الأمام ، وبهذا تنأى عن الانزلاق إلى مستنقع المغامرات التي تنهكها وتستنزف قدراتها .

ان اقتتال القوى التقدمية والوحدوية داخل كل قطر عرقل السير نحو الوحدة والديمقراطية ونحو الاشتراكية ، وأفرغ أنظمتها من مضمونها الشعبي الذي به وحده تتعمق الثورة وتستمر ، ودونه يبدأ طغيان الأجهزة الأمنية لتثبيت النظام ودفن مضمون الثورة .

ان التعاون في الحكم بين البعثيين والقوى الأخرى التي ساهمت في انقلاب الثامن من آذار ، بدل أن يقوم على أساس من الإدراك لخطورة المرحلة التي تمر بها قوى التحرر والثورة العربية وبضرورة جمعها في جبهة واحدة ، ومن ثم تعزيز الثقة والتعاون فيما بينها ، فإذا بجو من الشكوك والتآمر يتحكم في سلوك بعضها للتسابق على مراكز القوى والاستئثار بالسلطة ، وكانت النتيجة الحتمية لذلك هي فرط عقد المتحالفين ، والتحول إلى عداء بلغ ذروته في ذلك اليوم الدامي يوم الثامن عشر من تموز 1963 .

إن القضية الفلسطينية ، ستبقى محور اهتمام القوى العربية الوحدوية التقدمية ، ولا يمكن عودة الحق العربي وسيادة السلام العربي إلا من منظور الوعي الثوري لهذه القضية ، وكلما وصلت هذه القوى إلى موقع فعال في بعض الأقطار العربية وشعرت قوى الصهيونية والاستعمار بالخطورة على وجودها ومصالحها حرّكت قواها للجم هذه القوى أو إزالتها من الواقع السياسي ، ومن هذه الحقيقة كانت حروب 1956 و 1967 .

لم تنجح شعارات إبعاد الجيش عن السياسة وعن المشاركة في قضايا الشعب المصيرية ، وعمد الحزب بعد الثامن من آذار إلى بناء تجربة الجيش العقائدي ، أي أن يكون الجيش بتركيبته العضوية والتزامه الايديولوجي معبّراً عن عقيدة الحزب .

إن الظروف التي أتت بها 8 آذار   جعلت للعسكريين دوراً أساسياً في قيامها وحمايتها مما ولّد في نفوس البعض منهم إحساساً وشعوراً بالوصاية والتسلط وفرض آرائهم على الثورة والحزب و تهديد استقرارهما .

لقد شهد التاريخ السياسي كثيراً من الانشقاقات في الأحزاب والحركات السياسية ، وكثيراً ما تكون هذه الانشقاقات ناجمة عن حلول العلاقات الشخصية محل العلاقات الموضوعية الحزبية .

لم يكن البعث في منأى عن الانشقاقات ، وانتقلت الظواهر المرضية والصراع ونشوء التكتلات حول بعض القياديين الحزبيين ، من وإلى شقي الحزب المدني والعسكري ، وغابت العلاقات الرفاقية من ثقة مطلقة وشعور بالمسؤولية ، وهذا ما أتاح مجالاً واسعاً أمام بعض الرفاق القياديين للتمسك بمواقعهم تحت يافطات أصبحت غير قابلة للحياة ، ودفعت بقيادات شابة تحمل راية التطور والعلاقات الموضوعية ، بهدف نقل الحزب إلى مواقع متقدمة ، وهذا ماكانت تسعى إليه حركة 23 شباط 1966 .

في منطلقاته النظرية أقر البعث بأنه كحزب ( إذا لم يتسلح بأخلاقية متينة فإنه ينقلب من حزب ثوري وحركة تاريخية إلى عصابة سرعان ما يدب التناقض فيها ، وتتضارب المصالح وتصبح حرباً على بعضها وتتحطم كالزجاجة تفوح منها عفونة المصالح الشخصية والأنانيات الضيقة ) . واستمر بعض الحزبيين من العسكريين الذين غابت عنهم هذه الأخلاقية ، يحملون روح المغامرة وتهديد الحزب ، وهذا ماكان في عصيان 8 ايلول 1966 .

لقد كان قدراً مؤلماً أن تضطر قواعد الحزب إلى حمل السلاح والاقتتال بعضها مع بعض، في الوقت الذي تتصارع فيه مع الصهيونية والامبريالية والتخلف ، ومن واجبها أن تجند كل طاقاتها للانتصار في ذلك الصراع ،  وأن تعي أن الثورة ليست مجرد سطلة تقدمية فحسب ، بل هي سلطة تقدمية عليها أن تجهد لتكون معبّرة عن إرادة الشعب ومفهوم الحركة الثورية للسلطة ، بكل حرية وطوعية ، ولغياب هذا الواجب وذلك الوعي ضحى عبد الكرم الجندي بحياته عسى أن يستيقظ الرفاق .

مروان حبش

دمشق – كانون الثاني 2011  

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s