الشباب العربي والهوية

Posted: December 20, 2013 in عصمت سيف الدولة

الشباب العربي والهوية

مشكلة الانتماء

د . عصمت سيف الدولة

مدخل

1985 عام الشباب :

1- منذ خمسة أعوام أصدرت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة قراراً باعتبار عام 1985 عاما دوليا للشباب، تتكاتف خلاله الجهود وتتكامل من أجل دراسة منظمة ومكثفة وعالمية لمشكلات شباب العالم وحلولها وأساليب تحقيق تلك الحلول . وقد بدأ التحضير له مبكراً . فمنذ عام 1980 وافقت هيئة الأمم المتحدة على وضع برنامج محدد لنشاطها خلال عام 1985 . وأنشأت لقيادة هذا النشاط ومتابعته – حتى بعد انقضاء عام 1985 – أمانة عامة مقرها فيينا ( النمسا ) ، واختارت لها أميناً عاماً هو الاستاذ محمد شريف . وعملت على أن تتكون في أغلب الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة لجان للتحضير للنشاط الدولي المرتقب والمساهمة فيه . وأصدرت من أجله نشرة خاصة تتابع ذلك النشاط وتعمل على نشره وتبادل أخباره وخبرته . ثم انها أتاحت لكل المنظمات غير الحكومية المعنية بالشباب ومشكلاته فرصة المساهمة ايجابياً في التحضير والمشاركة والنشاط العالمي تحت مظلة هيئة الأمم المتحدة بدون وساطة الدول التابعة لها . أكثر من هذا أنها اتجهت اتجاهاً جاداً الى دراسة كيفية شق قنوات اتصال مباشر بين الشباب كافة وبين المنظمة الدولية والابقاء على هذا الاتصال بدون عوائق .

   2- اتسع نطاق هذا التحضير ابتداء من عام 1983 . ففي ذاك العام انعقدت أربعة مؤتمرات اقليمية بدعوة من هيئة الأمم المتحدة وتحت اشرافها  في نطاق التحضير للعام الدولي للشباب ، هي : المؤتمر الاقليمي لدول آسيا والباسيفيك الذي انعقد في تايلاندا ، والمؤتمر الاقليمي لدول أمريكا اللاتينية الذي انعقد في كوستاريكا ، والمؤتمر الاقليمي لدول غرب آسيا الذي انعقد في العراق والمؤتمر الاقليمي لدول أوروبا الذي انعقد في رومانيا .

وتوالت المؤتمرات واللقاءات والندوات خلال عام 1984 بكثافة ملفتة : في ليما (بيرو) من 29 مارس إلى 6 أبريل ، وفي فيينا (النمسا) من 2 إلى 11 أبريل، وفي كوالالمبور- (ماليزيا) من 9 إلى 14 أبريل ، وفي صوفيا (بلغاريا) من 11إلى 19 أبريل ، وفي بلاجيو ( ايطاليا ) من 30 أبريل الى 2 مايو، وفي بلفاست ( ايرلندة الشمالية) من 6 الى 12 مايو، وفي بيكين (الصين) من 14 الى 18 مايو، وفي نيقوسيا (قبرص ) من 4 الى 19 مايو وفي كوستونق (رومانيا ) من 28 مايو إلى 2 يونيو، و في جنيف ( سويسرا ) من 19 مايو الى 1 يونيو، وفي سالزبورج ( النمسا ) من 16 الى 22 يونيو ، وفي بوخارست ( رومانيا ) من 18 الى 22 يونيو وفي ميونخ ( ألمانيا الغربية ) من 21 الى 24 يونيو ، وفي بيونس ايرس ( الارجنتين ) من 11 الى 15 يوليو ، وفي سنداي ( اليابان ) من 15 الى 25 يوليو ، وفي تري تاون ( الولايات المتحدة الامريكية ) من 16 الى 22 يوليو ، وفي بانجوك ( تايلاند ) من 26 الى 30 يوليو ، وفي أرهوس ( الدانمرك ) من 6 الى 9 اغسطس ، وفي مونتريال ( كندا ) من 5 الى 11 اغسطس ، وفي كولومبو ( سيري لانكا ) من 29 اكتوبر الى 2 نوفمبر ، وفي هافانا ( كوبا ) من 4 الى 8 نوفمبر … الى آخره .

وحين بدأ عام 1985 كانت قد تحددت بوادر انعقاد سلسلة أخرى من المؤتمرات واللقاءات والندوات فيما بين يناير واغسطس 1985 : في بلفاست ( ايرلندة الشمالية ) ونيويورك ( الولايات المتحدة الامريكية ) وسان باولو ( البرازيل ) ومونتريال ( كندا) ونيروبي ( كينيا) وموسكو ( الاتحاد السوفييتي ) وتامبير ( فنلندة ) واوبرشوتزن ( النمسا وبرشلونة ( اسبانيا ) واوروفيل ( الهند ) … الى آخره .

3- متابعة ما نشر وما ينشر من أخبار وخبرات تلك الاجتماعات تكاد توحي الى المتابع أن العالم موشك على مواجهة كارثة شاملة ذات صلة وثيقة بالشباب، خاصة اذا قارنها بحجم وكثافة المؤتمرات أو اللقاءات أو الندوات التى انعقدت خلال عام واحد لمواجهة مخاطر الحرب العالمية الثالثة وأسلحتها النووية وهي مخاطر فناء البشر وليست مجرد كارثة تصيب البشرية.

4- وكأنما خشيت هيئة الأمم المتحدة ألا يصدق الناس أن مشكلات البشرية قد حلت ولم يبق إلا مشكلات الشباب فأرادت أن تضخم الكارثة إلى الحد الذي يثير الفزع في النفوس فعادت الى ما كانت قد اكتشفته خلال نشاطها عام 1979. وقد كان عام 1979 مخصصاً – بناء على قرار من هـيئة الأمم المتحدة – ليكون العام الدولى للطفل . وقد أسفر العام الدولي للطفل عن حقائق مفزعة حقا سمحت لاحدى نشرات هيئة الأمم المتحدة بأن تتحدث عنها تحت عنوان ” الأيام السوداء ” وهي تعنى العصر الذي نحياه . فقد تبين أن الخط البياني لمعدل وفاة الأطفال في العالم الثالث ما يزال عند معدله في أوروبا قبل منتصف القرن الماضي بالرغم من التقدم الكبير الذي حققته علوم الصحة والوقاية والعلاج . وأن خمسة عشر مليون طفل يموتون دون سن الخامسة سنويا ، 97% منهم من بين أطفال العالم الثالث، و 22% منهم يموتون بسبب ضعف التغذية ، فكأن العالم تعرض لظاهرة وأد جماعى أو أقتطاع من البشر عند المنبع .

وراحت نشرات هيئة الأمم المتحدة تلقي بهذه الظلال الكئيبة التى اسفر عنهـا العام الدولي للطفل على الدراسات التحضيرية للعام الدولي للشباب . فلم تعد مرحلة الشباب سابقة على مرحلة النضج بل هي مرحلة لاحقة لمرحلة الطفولة. وليس الموتى من الاطفال إلا شباباً مؤودين قبل ان يشبوا . ولم يعد الشباب موضوعاً تدرسه مجموعة من الكهول والشيوخ المتأثرين بتجارب شبابهم الذي انقضى بل أصبح موضوع مسؤولية الشباب أنفسهم عن بعض اسباب مشكلاتهم . وتوالت النداءات والاقتراحات والبرامج التي تستهدف جميعها حث الشباب او حمله على أن يساهم بالجهد الوفير في حل مشكلات الطفولة ، لا تطوعاً بل لأنها مشكلاتهم أنفسهم . وأصبح كل هذا جزءاً من برنامج النشاط العالمي في العام الدولي للشباب .

 5- ومع ذلك فإن هيئة الأمم المتحدة لم تترك للباحثين الدارسين فرصة الإيغال في موضوع الدراسة والبحث حتى أقصى حدوده . ربما خوفاً من ان يسفر البحث والدراسة عن أنه لا يوجد ما يسمى مشكلات الشباب ، وان أسباب هلاك الأطفال ومعاناة الشباب وعذاب الكهول ومذلة الشيوخ تتصل بأنظمة سياسية واقتصادية وقوى دولية قادرة وقاهرة معروفة او قابلة للمعرفة . فرفعت هيئة الأمم المتحدة على نشاطها في العام الدولي للشباب ، عام 1985 ، شعاراً مثلثاً هو : المشاركة ، التقدم ، السلام . وحولت الشعار إلى ضابط للبحث وحد للدراسة حين طلبت إلى المؤتمرات التي انعقدت أن توزع ما تعرفه عن الشباب على ما يدور حول تلك المحاور الثلاثة لا تتجاوزها ، فجاءت الأبحاث والدراسات دائرة حول تلك المحاور لا تكاد تتعداها إلا قليلاً .

يتمثل بعض هذا القليل فيما نبه إليه المؤتمر الاقليمي لدول غرب آسيا الذي انعقد في العراق من ضرورة النظر إلى الشباب على ضوء البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي هم جزء منها واجتناب دراسة مشكلاتهم كما لو كانوا يعيشون في فراغ . وفيما نبه إليه المؤتمر الاقليمي لدول أمريكا اللاتينية الذي انعقد في كوستاريكا محذراً من طغيان الجانب الدعائي عن العام الدولي للشباب حتى لا يؤدي – قياساً على النتائج الممكنة – إلى مزيد من خيبة الأمل والاحباط وفقدان الثقة في جدوى العلاقات الدولية بالنسبة الى شباب يعيش في ظل نظم اقتصادية فاشلة في تحقيق التنمية ، وفي وقت يمر فيه العالم بأزمة اقتصادية خانقة .

6- ما الذي تعنيه هيئة الأمم المتحدة بتلك ” الشعارات – الضوابط – الحدود ؟

سئل عن هذا الاستاذ محمد شريف الأمين العام للعام الدولي للشباب فقال : (1) ان المشاركة تعني المنافسة والمساهمة في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياة الشباب ومستقبل مجتمعاتهم ، وهي تتضمن الوعي والمساواة والقبول والتدخل وان يؤخذ كل هذا مأخذ الجد و (2) ان التقدم يعني التجديد والتطور بالنسبة إلى الفرد وإلى المجتمع واطلاق حرية الشباب في أن يختاروا طرقا جديدة الى مستقبلهم وان يتجهوا إلى كل الاتجاهات طالما يحتفظون بالاحترام لثقافتهم وتاريخهم (3) وان السلام ليس مجرد قطع النزاع بل انعدامه . وهو الادراك والعمل والمساواة والمشاركة والتقدم . انه الحرية متحققة والاستيثاق من أن المستقبل يستحق الحياة .

7- قد لا يكون ثمة اعتراض على بلاغة التعبير ولكن السؤال الذي يعترض الاعجاب البالغ بهيئة الأمم المتحدة وعامها الدولي للشباب هو : ما هي العلاقة الخاصة التي تقرن بين المشاركة والتقدم والسلام من ناحية وبين الشباب دون غيرهم من ناحية أخرى ؟

إن لم تكن المشاركة فإن البشرية كلها ، بكل دولها ، بكل نظمها ، لم تستطع حتى الآن أن تهتدي إلى نظام يمّكن الناس في المجتمع من المساهمة في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم ومستقبل مجتمعاتهم . بعض النظم تستغني عن مساهمتهم جميعاً بما تجمع عليه قلة منهم أو بما يقرره قادة يقال ملهمون تحظى قراراتهم بعد نفاذها بالقبول الجماعي كما يقولون . وبعض النظم تجمعهم قسرا وتشركهم قهرا لتنسب اليهم ما يتخذه القادة من قرارات. وبعض النظم تدعوهم كل بضع سنوات لاختيار القادة الذين سيتخذون القرارات التى تؤثر في حياتهم ومستقبل مجتمعاتهم. وما ان يتم الانتخاب حتى تقطع العلاقة بين المختارين ومن اختاروهم فلا يكون الأولون ملزمين بشيء أو مسؤولين عن شيء أمام الآخرين ولما كانت الارادة لا تنتقل، فان القرارات التي يتخذها الذين تم انتخابهم تعبيرا عن ارادتهم لا تمت بصلة الى إرادة الناخبين، وبالتالي لا يصح أن ينسب اليهم أنهم شاركوا في اتخاذها. لهذا لا يكون قريبا من الحقيقة الزعم بان الشباب وحدهم من بين كل المحكومين في الأرض، غير الحاكمين ، هم الذين يفتقدون وسيلة المساهمة إلارادية الفعلية فى اتخاذ القرارات التى تؤثر فى حياتهم ومستقبل مجتمعاتهم بل يشاركهم الكهول والشيوخ فيما يفتقدون فلا يصح الشعار إلا أن يكون عنوانا لما يفتقدونه جميعا.

وان يكن التقدم فإن كل انسان، من حيث هو انسان ، سواء أكان شاباً أم كهلاً أم شيخاً لا يكف عن محاولة التقدم ولا يستطيع أن يكف . حيث التقدم هو الاشباع المطرد لاحتياجاته الروحية والفكرية والمادية المتجددة أبداً . إنما تقوم مشكلة التقدم حين تحول الظروف الاجتماعية دون اشباع تلك الاحتياجات أو إطراد اشباعها . والظروف الاجتماعية ليست مقصورة العطاء أو المنع على الشباب وحدهم . انها عناصر تكوين المجتمع الذي يعيش فيه الشباب مع من دونهم من أطفال ومن تجاوزهم عمراً من الكهول والشيوخ . لهذا لا يكون قريباً من الحقيقة الزعم بأن الشباب وحدهم من بين كل المتخلفين في المجتمع ، هم الذين يفتقدون المقدرة على التقدم ، بل يشاركهم الأطفال والكهول والشيوخ فيما يفتقدون فلا يصح الشعار إلا أن يكون عنواناً لما تفتقده المجتمعات فيفتقده الناس فيها جميعاً طالما يحتفظ الناس بالاحترام لثقافتهم وتاريخهم .

وإن يكن السلام فقد انقضى فقد انقضى عصر كان الشباب وحدهم هم وقود الحروب . أما الآن فإن الحروب الشاملة قد ساوت بين الشباب والأطفال والكهول والشيوخ في مخاطر الهلاك ، وامتدت آثارها التدميرية من جبهات القتال الى كل ثمار النشاط الانساني في المزارع والمصانع والمتاجر ووسائل النقل والمدن والقرى والكفور . لهذا لا يكون قريباً من الحقيقة الزعم بأن الشباب وحدهم من بين كل البشر هم الذين يفتقدون السلام ، بل يشاركهم البشر جميعاً فيما يفتقدون فلا يصح الشعار إلا أن يكون عنواناً لما تفتقده البشرية جميعاً .

8-  ان كل هذا لا يقلل كثيراً من قيمة نشاط هيئة الأمم المتحدة ولا ينبغي أن يضعف حماس المشاركة في العام الدولي للشباب . فمهما تكن الشعارات والضوابط والحدود التي رأت هيئة الأمم المتحدة ان تنظم بها نشاطها ، فإن هذا النشاط قدم ويقدم وسيقدم إلى الشباب وإلى المهتمين بأمرهم حصيلة بالغة الثراء من المعرفة بالشباب العالمي ومشكلاته وحلولها الممكنة أو المأمولة ، ما كان يمكن أن تتاح لولا نشاط هيئة الأمم المتحدة . ولقد احسنت فعلاً الدول العربية التي تساهم في هذا النشاط . والواقع أن هذا الحديث عن الشباب العربي ليس إلا محاولة لعدم التخلف عن موكب عشرات الألوف من البشر الذين يعملون ، كل في حقله ، من أجل انجاح العام الدولي للشباب ، وليس موضوعه إلا من وحي ما اتصل بعلمنا من نشاط أولئك العاملين . فقد اخترنا له ” الانتماء ” موضوعاً لأننا افتقدنا فيما وصل إلى علمنا ما نعتقد أن مشكلة الانتماء تستحقه من الدراسة بالنسبة إلى الشباب كافة ، وبالنسبة إلى الشباب العربي على وجه خاص . حديثنا ، إذن محاولة إضافة وليس محاولة انتقاص من أهمية وجدوى كل حديث عن الشباب …

ولكن، ما هو الشباب ؟

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s