الطريق إلى الوحدة العربية

Posted: February 16, 2014 in عصمت سيف الدولة

الطريق الى الوحدة العربية

د . عصمت سيف الدولة

مدخل

ان الحديث عن ” الطريق الى الوحدة العربية ” يعني أنه حديث مقصور على الوحدويين من العرب ، أي أنه – على وجه – حديث خاص . وللحديث الخاص مميزات يستمدها من أنه قائم على ” افتراض ” انه حوار بين اخوة انعدمت فيما بينهم الغربة الفكرية على الأقل . وأنهم – على الأقل أيضاً – رفاق نضال بحكم الامكان . ولهذا تكون للحديث الخاص – عادة – منطلقات مشتركة ولغة مشتركة ودلالة مشتركة للالفاظ التي يدور بها . فهو منطلق ” فرضاً ” من منابع فكرية واحدة إلى غاية واحدة يبحث عن الطريق اليها لينطلق عليها المتحدثون كتلة نضالية واحدة . من هنا  لا يتحوط الحديث الخاص ضد سوء القصد والعسف في التأويل لأنه حديث بين أخوة فلا يغدرون ولا يدلسون ، ولا يخشى الخطأ في الاجتهاد لأنه خطاب إلى رفاق لا ينكر بعضهم على بعض حق الاسهام في سبيل مصيرهم المشترك فلا يستعلون ولا يستأثرون .

وكل هذا يبدو مفترضاً بين دعاة الوحدة من العرب ، وجملة شعارها ، الذين لا ينقصهم – فيما يزعمون – إلا معرفة الطريق الى الوحدة فيتحاورون .

غير أن ليس كل ” فرض ” صحيحاً في الواقع . وسنرى آية هذا فيما بعد .

يهمنا الآن أن نؤكد ان الحديث عن ” الطريق إلى الوحدة العربية ” غير موجه إلى أعداء الوحدة ، سواء أكان مرجع عدائهم لها انكار وجود الأمة العربية أصلاً ، أو قبولهم التجزئة ، أو الجهل لا أكثر . ومن الجاهلين من لا ينكرون وجود الأمة العربية ، ولا ينكرون أن التجزئة من صنع الاستعمار الذي يحاربونه . ولكن الفكر اللاقومي يضللهم فلا يعرفون علاقة الوجود القومي بالوحدة السياسية .

كل أولئك لا يعنينا أن نتحدث اليهم في هذا الحديث القصير .

انما غاية الحديث أن نكشف ما وراء تلك الظاهرة المفزعة القائمة بين دعاة الوحدة العربية انفسهم . انهم – فرضاً – يسلمون بوجود أمتهم العربية ، وبانتمائهم اليها ، ويسلمون بأن تجزئة وطنهم العربي الى دول ودويلات عدة يجب أن تزول ، ويستهدفون الوحدة العربية فيما يقولون وبرغم هذا كله لا يتفقون على الطريق الى تحقيقها . فلعلنا لو عرفنا لماذا يختلفون أن نعرف فيم يختلفون . وتكون تلك مقدمة لازمة لفصل القول في الطريق الى الوحدة العربية .

على اننا لن نستقصي أسباب الخلاف كلها ، وانما نتناول ما يكون الحديث فيها مجديا .

ذلك أننا نعلم أن للوحدة العربية أعداء متربصين ، وانهم يحاربونها بكل سلاح من أول البطش المادي الى آخر التخريب الفكري . ولا نجهل أن بعض ما يعانيه الوحدويون من عجز عن معرفة الطريق الى الوحدة العربية ، ثمرة حملات مدبرة لتضليلهم عمداً . وليس أسهل من أن نكشف عن أصحاب تلك الحملات الضارية وأن نهتك ما يتسترون وراءه من فكر لا قومي مهلهل ، وان ندينهم بخيانة الوحدة وتضليل أصحابها . الا أن هذا كله لن يجدي الوحدويين شيئاً ولا يتقدم بهم خطوة على الطريق الى الوحدة . واذا تمكن أعداء الوحدة من دعم التجزئة وحمايتها ولو بتضليل الوحدويين فانهم لم يخدعوا أحداً . وعلى الوحدويين أن يبحثوا عن اسباب الخديعة في صفوفهم فلا ينخدعون .

ونعلم كذلك أن الخوف من جماهير الأمة العربية المناضلة . أو محاولة اختلاس رضاها خدعة ، أو الصعود على موجاتها الثورية استغلالا ، أو الضحالة الفكرية لا شيء غيرها ، قد اقحمت على صفوف الوحدويين عديداً من الانتهازيين والمغامرين الذين يرفعون شعار الوحدة ويهتفون لها ثم لا يعنيهم أن يعرفوا الطريق إليها ، وان عرفوه طمسوه بركام من أهوائهم المريضة . ولا نجهل ان اقتحام كل هؤلاء لصفوف الوحدويين وتطفلهم عليها سبب قوي لكل هذا الخلط المضلل والضجيج الفارغ الذي يثور عند الحديث عن الطريق الى الوحدة العربية . الا أن إدانة المتطفلين لن تجدي الوحدويين شيئاً ولن تنير لهم الطريق ، وأجدى من هذا أن يعرفوا ما في موقفهم من ثغرات يقتحمها المتطفلون فيغلقونها فيهدأ الضجيج المضلل .

ونعلم كثيراً غير هذا يسهم في طمس معالم الطريق الى الوحدة أو قطعها على الذين يسيرون عليها . غير ان هذا كله ليس السبب الرئيسي لاختلاف الوحدويين على الطريق الى الوحدة العربية وانما يكمن السبب فيهم أنفسهم ، وهو الذي يمكن منهم أعداءهم فيضللونهم .

وليس من العسير ان نهتدي الى ذلك السبب داخل صفوف الوحدويين . فبعد الاتفاق على الوجود القومي كحقيقة ، والتجزئة كواقع ، والوحدة كغاية ، لا يمكن ان يختلف الوحدويون الا على أساس من منطلقاتهم الفكرية . ولما كانت الوحدة العربية هي الحل المتفق عليه للتناقض بين وحدة الوجود القومي والتعدد الاقليمي السياسي ، فإن الذين يستهدفونها ثم يختلفون في الطريق إليها لابد من أن يكونوا باحثين عنه من منطلقين متناقضين : المنطلق القومي والمنطلق الاقليمي . وكل منطلق يعبر عن وعي متميز – ومختلف – بالقومية ذاتها . ويؤثر حتماً في تصور الطريق الى الوحدة العربية ، وفي معرفته.

لهذا نرى انه لكي يكون الحديث عن ” الطريق الى الوحدة العربية ” مفهوماً لا بد ان يسبقه تمييز بين المنطلقين الاقليمي والقومي . وسنرى انه عندما ننتهي من تصفية المنطلق الاقليمي وكشف قصور الطريق الذي يبدأ به عن الوصول الى الوحدة العربية يكون الأمر قد أصبح واضحاً اذ يتولى المنطلق القومي ذاته تحديد ” الطريق الى الوحدة ” فإذا هو ” الثورة العربية ” وعلى هذا سنتحدث تباعاً عن ” المنطلق الاقليمي والمنطلق القومي ” ، ثم عن ” الطريق الى الوحدة العربية ” ثم عن ” الثورة العربية “.

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s